صديق الحسيني القنوجي البخاري
641
فتح البيان في مقاصد القرآن
وغيرهما ، ولأحمد بلفظ : « لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن » « 1 » وفي الباب عن أنس عند مسلم والترمذي وعن أبي قتادة عند أبي داود والنسائي وعن ابن عمر وجابر عند ابن ماجة ، وعن علي عند البيهقي وعن عائشة وأبي هريرة . والحديث يدل على تعيين فاتحة الكتاب في الصلاة وأنه لا يجزي غيرها ، وإليه ذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب العترة لأن النفي المذكور في الحديث يتوجه إلى الذات إن أمكن انتفاؤها وإلا توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات وهو الصحة لا الكمال لأن الصحة أقرب المجازين ، والكمال أبعدهما والحمل على أقرب المجازين واجب وتوجّه النفي إلى الذات ههنا ممكن كما قال الحافظ في الفتح لأن المراد بالصلاة معناها الشرعي لا اللغوي لما تقرر من أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه لكونه بعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف الموضوعات اللغوية ، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام نفي الذات . ولو سلم أن المراد هنا الصلاة اللغوية لكان المتعين توجه النفي إلى الصحة أو الإجزاء لا إلى الكمال لأنها أقرب المجازين ، ولأن الرواية المتقدمة مصرحة بالإجزاء فيتعين تقديره . وإذا تقرر هذا فالحديث صالح للاحتجاج به على أن الفاتحة من شروط صحة الصلاة لا من واجباتها فقط لأن عدمها يستلزم عدم الصلاة وهذا شأن الشرط ، وذهبت الحنفية وطائفة قليلة إلى أنها لا تجب بل الواجب آية من القرآن ، قاله النووي : والصواب ما قاله الحافظ أن الحنفية يقولون بوجوب قراءتها لكن بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطا في صحة الصلاة لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة والذي لا يتم الصلاة إلا به فرض ، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن وقد قال تعالى : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [ المزمل : 20 ] فالفرض قراءة ما تيسر ، وتعين الفاتحة إنما ثبت بالحديث فيكون واجبا يأثم من يتركه وتجزى الصلاة بدونه . وهذا تأويل على رأي فاسد حاصله رد كثير من السنة المطهرة بلا برهان ولا حجة نيرة فكم موطن من المواطن يقول فيه الشارع لا يجزي كذا ولا يقبل كذا ولا يصح كذا ويقول المتمسكون بهذا الرأي يجزي ويقبل ويصح ، ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي والكلام في ذلك تعقبا وردا يطول جدا وقد قضى الوطر منه الشوكاني في نيل الأوطار فراجعه . ومن أدلتهم حديث أبي سعيد بلفظ : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها ، قال
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 78 ، بلفظ « بأم الكتاب » بدل « بأم القرآن » .